
تأتي على لسان الشارع عبارات كثيرة يذكر فيها ما يصح أن نصفه بـ “ميزان معرفة النفس” وهذا كثير في القرآن الكريم وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ويستفاد من هذه العبارات فائدة جليلة وهي : أن يضع الإنسان نفسه في هذه الجمل وعلى ضوء ذلك يكوّن بذاته معرفة حقيقية لنفسه ، وتكون ألفاظ الشارع بمثابة المرآة لنفسه يرى فيها إيجابياته وسلبياته وطريق الإصلاح أيضاً .
وليس المقام مقام تأصيل لكيفية التعامل مع خطاب الشارع أثناء محاولة معرفة النفس على حقيقتها ، وإنما المراد وضع تقدمة لواحد من تلك الخطابات التي جاءت على لسان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم والتي تبين موقع الفرد بالنسبة لعالمي الدنيا والآخرة ، وما الذي يحدد هذا الموقع ؟ ، وآثار ذلك .
**الميزان كما ورد في النص النبوي ..
أخرج ابن ماجه حديثاً صححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
“من كانت همه الآخرة ، جمع الله له شمله ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة .
ومن كانت همه الدنيا فرّق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له ” .
**فريقان ، وهمٌّ مصدره واحد ..
فريقان لا غير ، إما أن تكون من أهل الدنيا أو من أهل الآخرة ، ومرتبتك مع هؤلاء تتحدد بحسب همك وما يشغلك .
وهو همٌّ واحد لا غير ، تصرفه هنا أو هنا ، تنجو به أو تخسر .
ومن نافلة القول : أن ما يقرر هنا لا يعني افتراض تعارض بين الدنيا والآخرة ، صحيحٌ أن توحيد الاتجاه والهم للدنيا يجعل الشخص في موقف مضاد لأهل الآخرة ، غير أن توحيد الاتجاه للآخرة لا يعني الانسلاخ من الدنيا ، يبين هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : “وأتته الدنيا وهي راغمة”.
**فريق الآخرة ، الهمّ الأعلى ..
وفي النص النبوي هنا خاصة ، لم نعرف ماهي الوسائل التي يتقرب الإنسان بها إلى فريق الآخرة .
وإنما جاء التنبيه على شيء واحد ، ورد على سبيل (تحديد الرؤية) كما يقال ، أو (الهدف العام) ، ومن خلال ذلك تتحدد كل الوسائل والأهداف الفرعية .
هذا هو ماعبر عنه الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه بـ(الهم) .
فمن كانت الآخرة هي شغله الشاغل وهمه الدائم ، لايفرح ولايحزن ولايرضى ولايغضب ، ولايتحرك أيضاً إلا للآخرة .
-وهذا أعطاه الله نعماً ثلاثة جاءت في النص النبوي مرتبة هكذا :
١-جمع الله له شمله:
قال ابن القيم في (الفوائد) :”إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده ، تحمل الله سبحانه حوائجه كلها ، وحمل عنه كل ما أهمه ، وفرغ قلبه لمحبته ، ولسانه لذكره ، وجوارحه لطاعته” .
٢-وجعل غناه في قلبه:
وغنى القلب يعرف بضده ، وضده : شدة الحرص ، إذ الحريص فقير دائماً ، فمن استغنى بما قسم الله له فهو الموفق .
ولذلك جاء في البداية والنهاية في ترجمة إبراهيم بن أدهم أن رجلاً أهدى له جبة ، فقال له إبراهيم: إن كنت غنياً قبلتها منك وإن كنت فقيراً لم أقبلها ، قال: أنا غني ، قال: كم عندك؟ ، قال: ألفان ، قال: تود أن تكون أربعة ، قال: نعم ، قال: فأنت فقير لا أقبلها منك .
والحرص يدفع بالقناعة ، فإذا اقتنعتَ فبعض شيءٍ كافٍ ، وغنى النفس يُغنيها إذا كنت قانعاً ، واعتبر “نحن قسمنا بينهم” ، وانظر إلى جامع الدنيا : هل راح منها بغير القطن والكفن؟!.
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله تعالى: ياابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً ، وأسد فقرك ، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك” رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن غريب .
وفي سورة الشورى “من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه” والزيادة في الحرث : إما بتضعيف الثواب أو بتسهيل الخيرات .
إن الغني هو الغني بنفسه ** ولو أنه عاري المناكب حاف
٣-وأتته الدنيا وهي راغمة:
وهذا مايصوره ابن الجوزي في (اللطائف) إذ يقول : “الدنيا ظل ، إن أعرضت عنه لحقك وإن طلبته تقاصر ، الزاهد لايلتفت إلى الظل فيتبعه الظل ، والحريص كلما التفت لم يره”.
ومن المشاهد أن الدنيا إذا أقبلت على العبد أعطته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه ، وإن هو أدبر عنها أتته وهي راغمة .
قال حاتم الأصم: “الدنيا مثل ظلك ، إن طلبته تباعد وإن تركته تراجع”.
**فريق الدنيا ، الهمّ الأدنى ..
وأمام هذا النص أيضاً ، لانجد الإشارة إلى صفات فريق الدنيا ، وإنما الإشارة إلى شيء واحد وهو المعبّر عنه بـ(الهمّ) ، على هيئة تحديد رؤية أو هدف عام .
وهؤلاء لهم عقوبات ثلاث ، جاءت مرتبة هكذا :
١-فرق الله عليه أمره:
يقول ابن القيم في (الفوائد) : “وإن أصبح وأمسى والدنيا همه ، حمله الله همومها ، وغمومها وأنكادها ، ووكله إلى نفسه ، فشغل قلبه عن محبته بمحبة خلقه ، ولسانه عن ذكره بذكرهم ، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم ، فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره ، وكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُليَ بمحبة المخلوق وعبوديته وخدمته ، قال تعالى “ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين” .
٢-وجعل فقره بين عينيه:
فيحرم القناعة ، ويزيد حرصه على الدنيا ، والنتيجة أن كان من أصحاب الدنيا ، ولم يظفر بلقب الفلاح الوارد في قول الله تعالى : “ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون”.
وتصوير كون الفقر بين العينين تصوير بليغ إذا فهمنا أن المراد بذلك : شدة الحرص ولو مع الغنى ، فهو يطلب الدنيا كمن كانت بين عينيه لا يرى إلا هي ، ومن ازداد حرصه ازداد فقره .
إنما دنياك في حالاتها ** طبعها جلب الأذى في ذاتها
تتبع التنغيص في لذاتها ** اطرح الدنيا فمن عاداتها
تخفض العالي وتعلي من سفل
سائر الأقوال عنها تقصرُ ** ولكم قد حار فيها معشرُ
حكمة قد حيرت من يبصرُ ** كم جهول وهو مثرٍ مكثرُ
وعليم مات منها بالعلل
٣-ولم يأته من الدنيا إلا ماكتب الله له:
وما له في الآخرة من نصيب ، بذا أخبرنا الله .
قال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين النووية : “واعلم أن من في الدنيا ضيف وما في يده عارية ، وأن الضيف مرتحل والعرية مردودة ، والدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وهي مبغضة لأولياء الله محببة لأهلها ، فمن شاركهم في محبوبها أبغضوه”.
**إن لله عباداً فطناً ، من هم فريق الآخرة ؟..
-هم قوم حزنوا للآخرة ، إن رأوا من أنفسهم تفريطاً ، أؤ اقترفوا ذنباً وإن كان دقيقاً ، وحزنوا على ما يصيب المسلمين من ظلم وبلاء ، والسبب : همّ الآخرة الذي غلب عليهم ، يقول الحسن البصري : “إن القلب إذا لم يكن فيه حزنٌ ؛ خرب ، كما إذا لم يسكن خرب”.
وفهموا : أنه على مقدار حزنهم للآخرة يخرج هم الدنيا من قلوبهم ، يقول مالك بن دينار: “بقدر ما تحزن للدنيا يخرج همّ الآخرة من قلبك ، وبقدر ماتحزن للآخرة يخرج همّ الدنيا من قلبك”.
-وهم قومٌ حاسبوا أنفسهم وتزينوا للعرض الأكبر ، أصحاب نفوس لوامة ، أقسم الله بها: “ولا أقسم بالنفس اللوامة” .
يقول الحسن : “هي والله نفس المؤمن ، مايرى المؤمن إلا يلوم نفسه ، ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ ، والفاجر لا يحاسب نفسه”.
-وهم قوم عملهم الدائب للآخرة ، حتى إذا اقتربوا منها طرحوا الدنيا وما تبقى منها ، وقطعوا كل شاغل عنها .
هذا عمير بن الحمام يرمي آخر ماتبقى في يده من الدنيا ، يلقي بتمرات ويقول: “لئن أنا بقيت حتى آكل تمراتي هذه ، إنها لحياة طويلة”.
وحتى إذا تراءت لهم ، شموا رائحتها ، وغلب عليهم عبيرها ، أنس بن النضر يقول لسعد بن معاذ في أحد: “أي سعد هذه الجنة ورب أس إني لأجد ريحها دون أحد”.
-وهم قومٌْ يذكرون الآخرة ويتأثرون بمناظر الموت ومايدل عليه ، ويجدون في القبر واعظاً صامتاً ، يخاطبونه كما خاطبه الرافعي: “واهاً لك أيها القبر! ، لاتزال تقول لكل إنسان تعال ، ولاتبرح كل الطرق تفضي إليك ، فلا يقطع بأحد دونك ، ولايرجع من طريقك راجع ، وعندك وحدك المساواة ، فما أنزلوا فيك قط ملكاً عظامه من ذهب ، ولابطلاً عضلاته من حديد ، ولا أميراً جلده من ديباج ، ولا غنياً جوفه خزانه”.
هولاء هم فريق الآخرة ، فأمسك الميزان ، وزِنْ نفسك ، وانظر من أي الفريقين أنت ، واعلم أنه ما ثَمّ إلا الدنيا أو الآخرة .
فاختر لنفسك ما ينجيك من طرقٍ ** واترك جهالة مخدوعٍ ومغرورِ
**وأخيراً : ميزان (الهمِّ) الواحد ..
والعجب أنه ليس ميزانٌ أصح منه ، ولا أعرفَ لاستعماله إلا المرءُ نفسُه ، ليس لأحد فيه عمل إنما أنت خصيم نفسك ، وأنت الموزون والوازن .
جاء في سنن ابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: “من جعل الهموم همّاً واحداً كفاه الله همّ دنياه ، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله بأي أوديته هلك”.
“من كان (يريد) حرث الآخرة ؛ نزد له في حرثه ، ومن كان (يريد) حرث الدنيا ؛ نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب”.
يناير 2, 2011 عند 2:34 م |
بارك الله فيك