اعرف نفسك ، ميزان تربوي نبوي ..

تأتي على لسان الشارع عبارات كثيرة يذكر فيها ما يصح أن نصفه بـ “ميزان معرفة النفس” وهذا كثير في القرآن الكريم وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ويستفاد من هذه العبارات فائدة جليلة وهي : أن يضع الإنسان نفسه في هذه الجمل وعلى ضوء ذلك يكوّن بذاته معرفة حقيقية لنفسه ، وتكون ألفاظ الشارع بمثابة المرآة لنفسه يرى فيها إيجابياته وسلبياته وطريق الإصلاح أيضاً .

وليس المقام مقام تأصيل لكيفية التعامل مع خطاب الشارع أثناء محاولة معرفة النفس على حقيقتها ، وإنما المراد وضع تقدمة لواحد من تلك الخطابات التي جاءت على لسان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم والتي تبين موقع الفرد بالنسبة لعالمي الدنيا والآخرة ، وما الذي يحدد هذا الموقع ؟ ، وآثار ذلك .

**الميزان كما ورد في النص النبوي ..
أخرج ابن ماجه حديثاً صححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
“من كانت همه الآخرة ، جمع الله له شمله ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة .
ومن كانت همه الدنيا فرّق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له ” .

**فريقان ، وهمٌّ مصدره واحد ..
فريقان لا غير ، إما أن تكون من أهل الدنيا أو من أهل الآخرة ، ومرتبتك مع هؤلاء تتحدد بحسب همك وما يشغلك .
وهو همٌّ واحد لا غير ، تصرفه هنا أو هنا ، تنجو به أو تخسر .

ومن نافلة القول : أن ما يقرر هنا لا يعني افتراض تعارض بين الدنيا والآخرة ، صحيحٌ أن توحيد الاتجاه والهم للدنيا يجعل الشخص في موقف مضاد لأهل الآخرة ، غير أن توحيد الاتجاه للآخرة لا يعني الانسلاخ من الدنيا ، يبين هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : “وأتته الدنيا وهي راغمة”.

**فريق الآخرة ، الهمّ الأعلى ..
وفي النص النبوي هنا خاصة ، لم نعرف ماهي الوسائل التي يتقرب الإنسان بها إلى فريق الآخرة .
وإنما جاء التنبيه على شيء واحد ، ورد على سبيل (تحديد الرؤية) كما يقال ، أو (الهدف العام) ، ومن خلال ذلك تتحدد كل الوسائل والأهداف الفرعية .
هذا هو ماعبر عنه الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه بـ(الهم) .
فمن كانت الآخرة هي شغله الشاغل وهمه الدائم ، لايفرح ولايحزن ولايرضى ولايغضب ، ولايتحرك أيضاً إلا للآخرة .

-وهذا أعطاه الله نعماً ثلاثة جاءت في النص النبوي مرتبة هكذا :

١-جمع الله له شمله:
قال ابن القيم في (الفوائد) :”إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده ، تحمل الله سبحانه حوائجه كلها ، وحمل عنه كل ما أهمه ، وفرغ قلبه لمحبته ، ولسانه لذكره ، وجوارحه لطاعته” .

٢-وجعل غناه في قلبه:
وغنى القلب يعرف بضده ، وضده : شدة الحرص ، إذ الحريص فقير دائماً ، فمن استغنى بما قسم الله له فهو الموفق .
ولذلك جاء في البداية والنهاية في ترجمة إبراهيم بن أدهم أن رجلاً أهدى له جبة ، فقال له إبراهيم: إن كنت غنياً قبلتها منك وإن كنت فقيراً لم أقبلها ، قال: أنا غني ، قال: كم عندك؟ ، قال: ألفان ، قال: تود أن تكون أربعة ، قال: نعم ، قال: فأنت فقير لا أقبلها منك .
والحرص يدفع بالقناعة ، فإذا اقتنعتَ فبعض شيءٍ كافٍ ، وغنى النفس يُغنيها إذا كنت قانعاً ، واعتبر “نحن قسمنا بينهم” ، وانظر إلى جامع الدنيا : هل راح منها بغير القطن والكفن؟!.
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله تعالى: ياابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً ، وأسد فقرك ، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك” رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن غريب .
وفي سورة الشورى “من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه” والزيادة في الحرث : إما بتضعيف الثواب أو بتسهيل الخيرات .
إن الغني هو الغني بنفسه ** ولو أنه عاري المناكب حاف

٣-وأتته الدنيا وهي راغمة:
وهذا مايصوره ابن الجوزي في (اللطائف) إذ يقول : “الدنيا ظل ، إن أعرضت عنه لحقك وإن طلبته تقاصر ، الزاهد لايلتفت إلى الظل فيتبعه الظل ، والحريص كلما التفت لم يره”.
ومن المشاهد أن الدنيا إذا أقبلت على العبد أعطته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه ، وإن هو أدبر عنها أتته وهي راغمة .
قال حاتم الأصم: “الدنيا مثل ظلك ، إن طلبته تباعد وإن تركته تراجع”.

**فريق الدنيا ، الهمّ الأدنى ..
وأمام هذا النص أيضاً ، لانجد الإشارة إلى صفات فريق الدنيا ، وإنما الإشارة إلى شيء واحد وهو المعبّر عنه بـ(الهمّ) ، على هيئة تحديد رؤية أو هدف عام .
وهؤلاء لهم عقوبات ثلاث ، جاءت مرتبة هكذا :

١-فرق الله عليه أمره:
يقول ابن القيم في (الفوائد) : “وإن أصبح وأمسى والدنيا همه ، حمله الله همومها ، وغمومها وأنكادها ، ووكله إلى نفسه ، فشغل قلبه عن محبته بمحبة خلقه ، ولسانه عن ذكره بذكرهم ، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم ، فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره ، وكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُليَ بمحبة المخلوق وعبوديته وخدمته ، قال تعالى “ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين” .

٢-وجعل فقره بين عينيه:
فيحرم القناعة ، ويزيد حرصه على الدنيا ، والنتيجة أن كان من أصحاب الدنيا ، ولم يظفر بلقب الفلاح الوارد في قول الله تعالى : “ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون”.
وتصوير كون الفقر بين العينين تصوير بليغ إذا فهمنا أن المراد بذلك : شدة الحرص ولو مع الغنى ، فهو يطلب الدنيا كمن كانت بين عينيه لا يرى إلا هي ، ومن ازداد حرصه ازداد فقره .

إنما دنياك في حالاتها ** طبعها جلب الأذى في ذاتها
تتبع التنغيص في لذاتها ** اطرح الدنيا فمن عاداتها
تخفض العالي وتعلي من سفل
سائر الأقوال عنها تقصرُ ** ولكم قد حار فيها معشرُ
حكمة قد حيرت من يبصرُ ** كم جهول وهو مثرٍ مكثرُ
وعليم مات منها بالعلل

٣-ولم يأته من الدنيا إلا ماكتب الله له:
وما له في الآخرة من نصيب ، بذا أخبرنا الله .
قال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين النووية : “واعلم أن من في الدنيا ضيف وما في يده عارية ، وأن الضيف مرتحل والعرية مردودة ، والدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وهي مبغضة لأولياء الله محببة لأهلها ، فمن شاركهم في محبوبها أبغضوه”.

**إن لله عباداً فطناً ، من هم فريق الآخرة ؟..
-هم قوم حزنوا للآخرة ، إن رأوا من أنفسهم تفريطاً ، أؤ اقترفوا ذنباً وإن كان دقيقاً ، وحزنوا على ما يصيب المسلمين من ظلم وبلاء ، والسبب : همّ الآخرة الذي غلب عليهم ، يقول الحسن البصري : “إن القلب إذا لم يكن فيه حزنٌ ؛ خرب ، كما إذا لم يسكن خرب”.
وفهموا : أنه على مقدار حزنهم للآخرة يخرج هم الدنيا من قلوبهم ، يقول مالك بن دينار: “بقدر ما تحزن للدنيا يخرج همّ الآخرة من قلبك ، وبقدر ماتحزن للآخرة يخرج همّ الدنيا من قلبك”.

-وهم قومٌ حاسبوا أنفسهم وتزينوا للعرض الأكبر ، أصحاب نفوس لوامة ، أقسم الله بها: “ولا أقسم بالنفس اللوامة” .
يقول الحسن : “هي والله نفس المؤمن ، مايرى المؤمن إلا يلوم نفسه ، ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ ، والفاجر لا يحاسب نفسه”.

-وهم قوم عملهم الدائب للآخرة ، حتى إذا اقتربوا منها طرحوا الدنيا وما تبقى منها ، وقطعوا كل شاغل عنها .
هذا عمير بن الحمام يرمي آخر ماتبقى في يده من الدنيا ، يلقي بتمرات ويقول: “لئن أنا بقيت حتى آكل تمراتي هذه ، إنها لحياة طويلة”.
وحتى إذا تراءت لهم ، شموا رائحتها ، وغلب عليهم عبيرها ، أنس بن النضر يقول لسعد بن معاذ في أحد: “أي سعد هذه الجنة ورب أس إني لأجد ريحها دون أحد”.

-وهم قومٌْ يذكرون الآخرة ويتأثرون بمناظر الموت ومايدل عليه ، ويجدون في القبر واعظاً صامتاً ، يخاطبونه كما خاطبه الرافعي: “واهاً لك أيها القبر! ، لاتزال تقول لكل إنسان تعال ، ولاتبرح كل الطرق تفضي إليك ، فلا يقطع بأحد دونك ، ولايرجع من طريقك راجع ، وعندك وحدك المساواة ، فما أنزلوا فيك قط ملكاً عظامه من ذهب ، ولابطلاً عضلاته من حديد ، ولا أميراً جلده من ديباج ، ولا غنياً جوفه خزانه”.

هولاء هم فريق الآخرة ، فأمسك الميزان ، وزِنْ نفسك ، وانظر من أي الفريقين أنت ، واعلم أنه ما ثَمّ إلا الدنيا أو الآخرة .
فاختر لنفسك ما ينجيك من طرقٍ ** واترك جهالة مخدوعٍ ومغرورِ

**وأخيراً : ميزان (الهمِّ) الواحد ..
والعجب أنه ليس ميزانٌ أصح منه ، ولا أعرفَ لاستعماله إلا المرءُ نفسُه ، ليس لأحد فيه عمل إنما أنت خصيم نفسك ، وأنت الموزون والوازن .
جاء في سنن ابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: “من جعل الهموم همّاً واحداً كفاه الله همّ دنياه ، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله بأي أوديته هلك”.

“من كان (يريد) حرث الآخرة ؛ نزد له في حرثه ، ومن كان (يريد) حرث الدنيا ؛ نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب”.

رد واحد إلى “اعرف نفسك ، ميزان تربوي نبوي ..”

  1. أبو محمد يقول:

    بارك الله فيك

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.